الشيخ محمد النهاوندي

581

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

صدره للإسلام ، وقسما لا يعرفه إلّا اللّه وأنبياؤه « 1 » والرّاسخون في العلم ، وإنّما فعل [ اللّه ] ذلك لئلّا يدّعي أهل الباطل - من المستولين على ميراث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله - من علم الكتاب ما لم يجعله لهم ، وليقودهم الاضطرار إلى الائتمار بمن ولّاه أمرهم ، فاستكبروا عن طاعته تعزّزا وافتراء على اللّه عزّ وجلّ ، واغترارا بكثرة من ظاهرهم ، وعاونهم ، وعاند اللّه جلّ اسمه ورسوله » « 2 » . وروى الفخر الرّازي عن ابن عبّاس أنّه قال : تفسير القرآن على أربعة أوجه : تفسير لا يسع أحدا جهله ، وتفسير تعلمه العرب بألسنتها ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلّا اللّه « 3 » . عن ( الكافي ) : عن الصّادق عليه السّلام : « نحن الرّاسخون في العلم ، ونحن نعلم تأويله » « 4 » . وفي رواية : « فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أفضل الرّاسخين في العلم ، قد علّمه اللّه جميع ما أنزل عليه من التّنزيل والتأويل ، وما كان اللّه لينزل عليه شيئا لم يعلّمه تأويله ، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه » « 5 » . ثمّ وصف سبحانه وتعالى الرّاسخين في العلم بأنّهم - مع علمهم بالتّأويل ، وفهمهم حقيقة المتشابه كالمحكم - يَقُولُونَ بألسنتهم طبقا لما في قلوبهم : آمَنَّا بِهِ وصدّقنا بحقيقة المراد منه ، فإنّه كُلٌّ من الآيات المتشابهات ، أو منها ومن المحكمات ، حقّ نازل مِنْ عِنْدِ رَبِّنا . ويمكن أن يكون حكاية هذا القول عنهم ، لتعليم المؤمنين الّذين لا يعلمون التّأويل أن يقولوا مثله ، ولا يشكّوا - لعدم فهم المراد من المتشابه - في أنّه من عند اللّه ، ولا يخوضوا في تفسيره بالظنون والاستحسانات ، بل عليهم أن يؤمنوا به ، ويسلّموا له ، ويفوّضوا علمه إلى اللّه تعالى ، وإلى خزّان علمه ومهابط وحيه . ذكر قول بعض العامة ورده قيل : إنّ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مبتدأ ، وقوله : يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ خبره ، وإنّ المتشابه هو ما استأثر اللّه بعلمه وبمعرفة الحكمة فيه ، كعدد الزّبانيّة ، وعدّة بقاء الدّنيا ، ووقت قيام السّاعة ، إلى غير ذلك « 6 » . وهذا القول في غاية الفساد ، إذ يلزمه أن يكون الرّسول جاهلا بكثير من الآيات ، وغير مطّلع بالمراد ممّا انزل إليه ، مع أنّ القرآن نزل لينتفع النّاس به ، ولو ببيان حملته وأوعية علمه ، فلو كان فيه ما لا

--> ( 1 ) . في الاحتجاج : وامناؤه . ( 2 ) . الاحتجاج : 253 ، تفسير الصافي 1 : 295 . ( 3 ) . تفسير الرازي 7 : 178 . ( 4 ) . الكافي 1 : 166 / 1 ، تفسير الصافي 1 : 295 . ( 5 ) . الكافي 1 : 166 / 2 ، تفسير الصافي 1 : 295 . ( 6 ) . تفسير روح البيان 2 : 5 .